English  
Monday     05:38:41 AM     2019 / 12 / 16
أخبار محلية

وقفت شابة على خشبة مسرح وسينماتك القصبة في مدينة رام الله، في الرابع والعشرين من تشرين الأول 2019، ترتدي ملابس ملونة تتراوح ما بين الأخضر والأحمر والأزرق، استطاعت أن تنتزع ليس فقط إعجاباً عابراً من كل زوار المكان غير العابرين يومها، بل تملكت حواسنا ما بعد الخمس، مع أنها تجربتها الأولى في تقديم "مونودراما" تأتي بالتزامن نسبياً مع عديد الفنانين ممن سبقوها بعقود في التمثيل، قدّموا أعمالاً منفردة، ولا يزالون يخلطون بين فن "المونودراما" و"الحكواتي" و"الستاند أب" الكوميدي وغير الكوميدي .. لعل هذا ما يمكن أن يعود موقع إلكتروني أو باحث في المسرح، بعد سنوات أو عقود، إلى نقله عن هذه التغطية لـ"ماجدة والمائدة"، التي أثبتت الفنانة أميرة حبش أنها باتت علامة فارقة في المسرح الفلسطيني قبل دخول العام العاشر من الألفية الثالثة، بما قدمته عن نص للبولندية آنجي ماليشكا، وإخراج الفنان القدير جورج إبراهيم.

لم تكن أميرة "حكواتية" هنا، ولا نريدها، بل كانت فنانة حقيقية، أبرزت موهبة غير عادية، بل احترافاً، في زمن "العادي" و"العابر" وحتى ما هو دون المستوى في المسرح الفلسطيني، فتعيد إليه، ولو شيئاً من بريقه، بالاتكاء على النص الجوّاني المعالج لجورج إبراهيم حول المسرح وعلاقة الفنان بالخشبة، وبالعائلة، وبالجو المحيط الموبوء منه، والأكثر وباءً، فصرخة إبراهيم على لسان أميرة بأن "هذا المسرح لي"، لم تكن مجرد صرخة من فنان عانى كثيراً في السنوات الأخيرة على أكثر من مستوى، دون أن يتمكن أحد من تجريده من تاريخه المسرحي العريق، وحاضره المتجدد، بل كان تعبيراً صادقاً عمّا قدمته أميرة حبش في "ماجدة والمائدة"، فكان "المسرح لها"، ولا يمكن لأي كان، بعد اليوم، أن "يطردها منه"، فقد تملكته بما قدّمت من أداء راق يضاهي كبار فناني العالم العربي، وليس مبالغة إن قلت بأنه عرض عالمي.

تنقلت حبش في العرض باقتدار ما بين حالة وأخرى، وما بين تعبيرات وجهانية وجسدية متغيّرة باستمرار، دون نتوءات البتّة، فتماهت مع النص العميق رغم إيحاءاته الكاذبة بالبساطة، بل ربما تفوقت عليه في عديد الأحيان، مع أن حالة الانسجام ما بين أداء أميرة ونص وإخراج جورج كانت بادية، بل شكلت عاملاً أساسياً لتميّز العمل.

تلك البساطة في الوقوف، والجلوس، والرقص، والإيماءات، وغيرها، للتعبير عن معنى النص وما وراءه في مساحة صغيرة بديكور بسيط أصفر على طاولة أو عارٍ من الصفار، ترك للفراغ مساحة أن يلهو كتعبير عن فراغ داخلي انعكس في أداء الفنانة، وعن ذلك الفراغ الذي ليس على خشبة المسرح، بل بات يتغلغل في عقول غالبية المسرحيين في بلدنا، بعد أن تسلل إليه وعشعش، وهو ما انعكس في أغلبية العروض التي شاهدتها مؤخراً في مهرجان فلسطين الوطني للمسرح بدورته الثانية.

شكلت أميرة حبش في هذا العرض، وبمفردها، مجاميع كثيرة، فملأت فراغات المسرح بأدائها متعدد الحالات، دون استعرض مجاني للعضلات، وإن أبرزت عبره، وبتلقائية، قدرة هائلة تضعها في مصاف الكبار، فقد نجحت في تعظيم رحلة شخصية عبر أسر الجمهور الذي تفاعل وتعاطف وعبّر عن انبهاره أثناء العرض وبعده ..وربما كان هذا العمل هو الرابع في العقدين الماضيين ونيّف، من بين العروض الفلسطينية التي يمكن أن نصفها بـ "مونودراما"، بعد "ذاكرة للنسيان" لفرانسوا أبو سالم، و"المتشائل" لمحمد بكري، و"طه" لعامر حليحل، والآن "ماجدة والمائدة"، فليس كل عمل منفرد "مونودراما".

وعلى اعتبار "المونودراما" شكلاً دراماتيكياً ساهم ولا يزال في تطوير المسرح العالمي، فإنه يقوم على تلك الروح الأحادية التي لو لم تكن متّقدة وهّاجة لسقطت وأسقطت العمل معها، مهما كانت العوامل الأساسية عظيمة كالنص والإخراج، وتلك المساندة كالديكور والإضاءة والموسيقى وغيرها، فـ"المونودراما" هي أن تعادل قوة جندي واحد جحافل في جيش مقابل، وفق هذا المقال المنشور في "منصة الاستقلال الثقافية".

ولكون أميرة حبش كانت تلك المجندة القوية التي طوّعت المسرح موضوعاً ونصّاً وخشبة تتحرك بإيماءات جسدها المذاب في الفن، فكانت "ماجدة والمائدة" كعمل مسرحي منفرد "مونودراما" حقيقية، وكانت أميرة بسحر الأداء، باتكاء على نص مبدع للبولندية ماليشكا حول ممثلة مسرحية تهجس بتقديم ما يعكس حالة عشقها لأبي الفنون، كما يسمونه، وما بين ابنها الصغير (ياشيك) الذي "تفرم" لأجله الكثير من طموحتها في درب غير معبد بالورود إطلاقاً، فتؤرجحنا ما بين حلم وواقع، وحلم وحلم أكثر اتساعاً، حتى نشعر أننا نشاركها عملها الفردي الذي يتحول جماعياً بسطوته علينا، فندخله طواعية لرغبة جامحة من فرط سحر الأداء، أو رغماً عنّا مسحورين أيضاً، وكأننا نتجه بفعل تنويم مغناطيسي ما لنتقوقع أسفل الطاولة حيث ابنها الذي يرفض مواجهة العالم بشرّه وشرّه، وكأنه نسخة معاصرة من "حنظلة" ناجي العلي، وهي ذات الطاولة التي تفّر إليها الأم أحياناً، وتبدو وكأنها ستكون ملاذنا جميعاً في "بلد مجنون كله طاولات".

ومع أن الحديث عن إسقاطات النص العالمي، وفلسطنته، رغم تأرجح التسميات ما بين عربية وأجنبية، يستحق أن يأخذ حيزه عند الكتابة عن "ماجدة والمائدة" في نسختها المحلية عالمية الجودة، إلا أنني لن أفعل، فمهما كانت الإسقاطات والتأويلات تحمل قدراً من الأهمية، فإن الأداء الطاغي للممثلة التي رضعت المسرح صغيرة ينحيها جانباً، ولو لبعض الوقت، فالـ"مونودراما" ليست أداء فردياً لعمل فني ما، بل هو أيضاً تمثيل مثير لما يمرّ به العقل الفردي، وهو ما برعت أميرة في التعبير عنه، عبر "مونولوج" داخلي وآخر خارجي أطلقت فيه ما يمور داخل فردانية عقلها إلى الجمهور بصوت مرتفع، وبأداء عالي الحساسية على المستوى الجسدي والحسيّ، فكان العمل بمثابة "مونولوج درامي"، حيث ضغط في مشهد حيّ واحد أو مشاهد متتالية على إحساس سرديّ ببصيرة نفسية للشخصية، وكأنها قصيدة لشاعر متمكن ومجدّد، أو مناجاة كأنها صلاة.

Copyright©2017 for WMC website

 Designed By Site Trip