English  
Wednesday     04:20:47 AM     2020 / 08 / 12
أخبار محلية

كانت هناك... كنت أعرف أنها ستكون هناك! المرأة الخمسينية القصيرة والبدينة، بشعر قصير وبنطال وقميص أسودين، رأيتها (كنت أعرف أنني سأراها) بين حشد الشباب والشابات، في دوّار المنارة برام الله، كانت تهتف وتلوّح بعلم فلسطين، لا أحد يعرف اسمها، هي لا تعرف اسم أحد، منذ عشرين عاماً وأنا أراها تهتف في التظاهرات، وتسير في الجنازات، بصمت تبكي، مع شبح ابتسامة صغيرة، وعلم خفّاق، لا تكلّم أحداً، لا أحد يكلّمها، تذهب بعد التظاهرة أو الجنازة وحدها إلى مكان غير معروف، فكرت كثيراً أن أتبعها؛ لأعرف قصتها، كنت أخجل، وأتراجع.
في بداية الانتفاضة الثانية، رأيتها عبر شاشة التلفاز مع ثلة من النسوة، كانت تولول بحرقة معهن، وتلطم الخدود، أمام قبر الشهداء الجماعي في حديقة مستشفى الشيخ زايد برام الله، فيما بعد سألت عنها حارس المستشفى، فقال لي، إنها لا تمتّ إلى الشهداء بأيّة صلة قرابة، وإنها غريبة الأطوار، تنبع فجأةً من مكان ما، ثم تختفي فجأة، لا تكلّم أحداً، لا تحمل في يديها سوى حفنة دموع لامعة وعلم وشارة النصر وشبح ابتسامة، فقط تبكي وتهتف وتلوّح بعلم ثم تختفي.
في تظاهرات النفق الدامية، في العام 1996، كانت هناك حول الجرحى تبكي وتلوّح بعلم، وترفع شارة النصر للجنود البعيدين. في مواجهات الانتفاضة الأولى، كنت أراها هناك على دوار المنارة نفسه الذي وقفت فيه مساء أمس، تهتف والعلم لا يفارق يدها، وشارة النصر لا تفارق يدها الثانية، الغريب أنها لم تهرم، لم يثرثر الزمن مع هيئتها وملامح وجهها بامتلائه الدائري الأبيض، وقامتها القصيرة وملابسها السوداء، ثابتة هذه المرأة في وجه الزمن، لا تتزحزح، الكل يتزحزح إلا هي، يتجاوزها الزمن إلى آخرين، فيتعشّى على ملامحهم، ويشرب ألقهم ويكتفي بهم، مساء اليوم، رأيت المرأة التي سامحها الزمن، بين الشباب، تنشد نشيد (موطني) وتكاد تتلاشى هياماً بالكلمات والإيقاع، والدلالات، وقفت قبالتها تماماً، أبحث عن التقاء قصير بين عيوننا... عيناها لا تلتقي بعيني أحد، هائمة في ملكوت الهتاف المحرر، وسحر الأغاني الوطنية، لاحقت نظراتها، كنت أريد أن أقول لها بعيني إني أعرفها منذ عشرين عاماً، هذه المرة، سألاحقها إلى آخر أمكنتها، إلى مستقرها الأخير، كان مطر ناعم يسقط فوق أغاني ورؤوس الشباب وفوقها، المطر يزداد كلاماً، الاعتصام ينفضّ رويداً رويداً، تسرب المكان إلى خارجه شاباً شاباً، رأيتها (مصعوقاً وغير مصدّق) تلف العلم بطريقة عسكرية وتحشوه في عينها اليسرى، ثم تخلع شارة النصر من يدها وتحشوها في عينها الثانية، هل رأيت ماذا فعلت هذه المرأة الغريبة؟ سألت هذا السؤال لشخص بجانبي لا أعرفه، دون أن أنظر إليه، فأحسست به ينظر إليّ باستغراب ولمحته من طرف عيني المصوبتين نحو المرأة، يمضي بعيداً عني، مشت امرأة العلم وعلامة النصر نحو دوار الساعة، مبتسمةً وبدينةً وقصيرةً جداً، الآن أنا أتابعها بخوف وخجل، هبطت شارع متنزه رام الله، بالقرب من جدارية الأسرى رأيتها تقف، قليلاً، تنظر إلى الجدارية دون أن أتبين ملامحها، إذ إن العتمة وبعد المسافة منعاني من تفحص هيئتها: هل كانت تبكي أم تبتسم، أم لا هذه ولا تلك؟ مجرد صمت أعمى، واصلت طريقها وواصلت طريقي خلفها، انعطفت يميناً، فانعطفت، يا له من شارع هادئ كأنه مفصول عن شوارع المدينة، أو كأنه حلمها، دخلت حديقة بيت قديم جداً، جلست تستريح على كرسي بلاستيكي أبيض، هدوء عارم كان يهز المكان، كانت تنظر للشجر مبتسمة، رأيت عصافير دوري كثيرة تحلّق فوقها ثم تجلس فوق رأسها، بشكل عمودي، المشهد كان غريباً حقاً، يشبه حلماً أو لوحةً أو رؤيا: امرأة تجلس في حديقة هادئة بجانب غرفة قديمة، على رأسها تقف عشرات العصافير، عصفور يقف فوق عصفور.
أنهت العصافير كرنفال الوقوف غير المفهوم، دخلت المرأة الغرفة، سمعتها تغلق الباب بمفتاح سميك، تسللت خلفها، وقفت وراء نافذة غرفتها الوحيدة، لم تكن هناك، رأيت فقط حمامة سمينة، وبيضاء بعمق، تجلس على أرض الغرفة القشية، أين ذهبت المرأة؟ رأيتها بأم عيني تدخل الغرفة، والباب أمامي لم ينفتح بعد دخولها، جلست على الكرسي الأبيض، لم يكن هناك أثر للعصافير، شعرت بالبرد، وضعت يدي في جيبي بحثاً عن دفء ما، ارتطمت يدي بورقة، أخرجتها وقرأت فيها بخطي أسماء نساء لم أفهم أو لم أفكر في فهم دلالات وجودها مع بعضها البعض، ولم أتذكر سبب كتابتي لها، على الرغم من حديدية ذاكرتي. مشيت إلى البيت، ريح قوية باردة تهب، ومطر يسقط بثقل كأنه غضب أو رضا ما، رحت أفكر في الأسماء الواردة في الورقة: أم سعد، جان دارك، أم مكسيم جورجي، جميلة بوحيرد، امرأة العصافير....

 

عن الأيام

Copyright©2017 for WMC website

 Designed By Site Trip