English  
Wednesday     04:34:52 AM     2020 / 08 / 12
أخبار محلية

قبل كلِّ شيء، ها هنا، لا بدَّ من الاعتراف بأنني قد تعلَّمتُ هذين الاصطلاحين المتجانسين تناظرا، اصطلاح «ترويج المُرَوَّج» To Propagate The Propagated، من حيث فاعليَّتُه الظاهرية من جانب أوَّل، واصطلاح «تأجيج المُؤَجَّج» To Instigate The Instigated، من حيث فاعليَّتُه الباطنية من جانب ثانٍ، قد تعلَّمتُهما من أستاذي الكريم غياث المرزوق حينما كان قد ألقى علينا سلسلة من المحاضرات الحوارية الشيِّقة حول ما انضوى تحت المبحث العامِّ «بلاغيات الإخبار والإنشاء» من كلٍّ من المنظورين اللسانيَّيْن التزامني والتزمُّني.. ترويج المُرَوَّج بهذا اللَّغْو، لَغْو تأجيج المُؤَجَّج في حدِّ ذاته، يتبدَّى أكثر ما يتبدَّى، إذن، كوسيلة إعلامية غير شريفة تلجأ إليها لجوءا لـ«حاجاتٍ في أنفُس اليعاقبة» الكثيراتُ من الصحف الغربية الشهيرة والكثيراتُ من نظيراتِها من الصحف العربية الأشهر كذلك، وعلى الأخصِّ في مقدِّمة هذه الأخيراتِ، صحيفة «القدس العربي»، التي لا تني، كعهدها منذ تاريخ تأسيسها الأوَّل، تتبجَّح بـ«استقلالها» السياسي وبامتثالها «المبدئي» و«النزيه» للأخلاق والقِيَم الإنسانية، فيما له مساسٌ بعالَمَي التحرير والنشر على حدٍّ سواء..    

 

مرة أخرى، ودونما الاحتياج إلى استخدام أيٍّ من ما هو راسخٌ من عبارات الاستهلال البياني أو التمهيد البلاغي في الكتابة الصحافية التقليدية، يستهلُّ الكاتب الصحافي /الثقافي/ سهيل كيوان مقاله الحديث العهد الذي صدر قبل أيام تحت العنوان الاسمي التركيبي الهازئ «أبو كلثوم الأدرعي» /من إصدار «القدس العربي» في يوم 15 تموز (يوليو) 2020/.. يستهلُّه تأجيجا بالإشارة إلى ذلك الجدل المؤجَّج بالحماس /الاجتماعي/ والاستغلال /السياسي/ حينما أثارته كلَّ الإثارة مؤخَّرا تسميةُ شارعٍ من شوارع مدينة حيفا باسم المغنية المصرية الراحلة «أم كلثوم».. وقد كانت هذه الإثارة تفعل فعلها، بالفعل، في وسط ما رامَ بعضٌ من أزلام الكيان الصهيوني من تظاهُرٍ معسولٍ بالتعايش «السلمي» و«الودِّي» بين الإسرائيليِّين والفلسطينيِّين /أو بين العبريِّين والعرب، توسُّعا/ – إذْ نطق الناطق باسم جيش دفاع هذا الكيان لوسائل الإعلام العربي، أﭬيخاي أدرعي، بعبارات منتقاة من أغنيات أم كلثوم ذاتها تدعيما وتعضيدا لـ«مصداقية» ذلك التظاهر المعسول، وتمهيدا من ثمَّ لـ«تظاهراتٍ معسولاتٍ» أخرى في المستوى الاجتماعي المقبول.. كلُّ ذلك التظاهر بالهيئة المتوخَّاة، إذن، جاء جائحا كلاًّ من وسائل الإعلام العربي ووسائل الإعلام العبري في أوانٍ متزامنٍ في هذا الزمان، على الرغم، في حالة هذه الأخيرة، من ظهور أشكالٍ شتَّى من الاعتراض الصارخ من البعض الآخر من أزلام الكيان الصهيوني بعينه، وخاصَّةً من أولئك الأزلام المتجانفين الذين كانوا، وما زالوا، يكنُّون الولاء «اليميني» لرئيس حكومة هذا الكيان، بنيامين نتنياهو، بدءا من الولاء «اليميني» من نجله بالذات ناجحا به نجاحا باهرا، فيما يظهر، ودرءا للفشل الذريع الذي يُمنى به آنا بعد آن /حتى لو لم يُهملْ مسألة «ضمِّ غور الأردن إلى إسرائيل»، وذلك نزولا متواضعا عند رغائب الكثير الكثير من «المحبِّين للتوسُّع» من الصهاينة المتعصِّبين والمتعنِّتين/!!..

 

من المعلوم جيدا في الواقع الفلسطيني المُسْتَلَب، في السياقين التاريخي والجغرافي، أن سياسة طَمْس الأسماء العربية للأماكن عامَّةً وتبديلها بأسماء عبرية مصطنَعة ومفتعَلة لَسياسةٌ قد بُدِئَ بتنفيذها بالتدرُّج والتدريج الفعليَّيْن، كلَّما سنحت فرصٌ مناسبة وانتهازاتٌ مؤاتية، منذ بدايات الاستيطان الصهيوني الفعلي سنة 1948، على أقل تقدير.. وهذه السياسة «الطَّمْسِيَّة» بالتنفيذ المعني، في هذه القرينة، إنما تعود بجذورها، بدورها القومي العُصَابي هي الأخرى، إلى حوالي ثلاثةٍ من العقود المديدة التي سبقت حتى طرحَ فكرة «الدولة الصهيونية» من خلال ذلك الإطار التنظيري التطلُّعي لتأسيس ما يُسَمَّى بـ«المنظَّمة الصُّهيونية العالمية» WZO سنة 1897 – تلك العقودِ المديدةِ التي تجلَّت فيها أيَّما تجلٍّ تسمياتُ المدائن وما تحتويه تسميةً عبريةً بالعَنْوَةِ والعُنُوِّ مِنْ لدن مَنْ كانوا إبَّانَئذٍ يُسمَّون بجماعة «محبِّي صهيون»  بوصفهم المؤسِّسين الأوائل /أو، بالأحرى، المسؤولين عن التأسيس الأوَّل/ لعشرين مدينة «يهودية» في فلسطين، على أدنى تخمين، ما بين سنتي 1870 و 1897.. هذا هو الموجَّج بين الحينِ والحينِ الآخر، في الأصل، فيما يخص أيًّا من تيك التسميات العبرية منذ ذلك الحينِ وحتى هذا الحينِ: فكيف يكون اللَّغْوُ، عندئذٍ، في تأجيج هذا المؤجَّج، أصلا، إنْ تسمَّى تسمِّيا انتقائيا شارعٌ «عبري»، بحكم واقعه الاستيطاني، لا بل الاستعماري، إن تسمَّى تسمِّيا «عربيا» من جديد؟؟.. للأسف الشديد، وبحجَّة أنه لا تسميةُ شارع من الشوارع ولا تسميةُ حيٍّ من الأحياء ولا حتى تسميةُ مطارٍ من المطارات تكفي للتكفير عن جرائم الصهاينة الأنجاس منذ أكثرَ من سبعين عاما في المَحْو والتغيير الاسميَّيْن /من العربي إلى العبري/، يلجأ الكاتب الصحافي /الثقافي/ سهيل كيوان، من خلال لَغْوِه التأجيجي لما هو مُؤَجَّجٌ قبلا، في مقاله المذكور آنفا، يلجأ كَرَدِّ فعلٍ يعتريه الحماس «الوطني» وتنتابُه الحميَّة «القومية» إلى اللَّغْوِ الترويجي، من طرفه هو الآخَرُ، لما هو مُرَوَّجٌ عن شخص أم كلثوم على أكثر من صعيد، في المقام الأوَّل..

 

يشيد هذا الكاتب الصحافي /الثقافي/، على سبيل المثال، بموقف أم كلثوم السياسي «الملتزم» حينما غنَّت بأعلى عقيرتها أغنية «والله زمان يا سلاحي» إبَّانَ العدوان الثلاثي على مصرَ عام 1956، وعلى أثر إعلان تأميم قناة السويس في يوم 26 تموز (يوليو) من نفس العام، تلك الأغنية التي سرعان ما تحوَّلت إلى نشيدِ مصرَ الوطنيِّ الأثير، واستمرَّت كذاك إلى أن تمَّ إلغاؤها إلغاءً «لاتعسُّفيًّا»، أو هكذا خُيِّل للمهتمِّ بهكذا إلغاءٍ، على لسان «المسالم» أنور السادات بعضلة لسانه /قبلَ عظمتِه حتى/.. ويشيد هذا الكاتب الصحافي /الثقافي/، علاوة على ذلك، بموقف أم كلثوم القومي «المعتصم» عندما غنَّت بأجهر صوتها أغنية «أصبحَ عندي الآنَ بندقيَّهْ»، نيابةً عن ناظمها «الناصري» الشاعر نزار قباني، لكي تكون الفنانة بالذات جسدا وروحا في آنٍ معا «مع الثُّوَّار الفلسطينيِّين ومنهم»، على الرغم من أنها، بعد «عشرين عاما و[هي] تبحث عن أرضٍ وعن هُوِيَّهْ»، لم يحدثْ لها أن التقت بأي من أولئك «الثُّوَّار الفلسطينيِّين»، لا على أرض الواقع من قريبٍ ولا في سماء الحلم من بعيدٍ – ناهيك، بالطبع، عن إشادته /إشادة الكاتب الصحافي /الثقافي/ المعني/ بموقف الفنانة اللغوي «المنتظم» وبمدى تلك الخدمة الجليلة التي قدَّمتها إلى اللغة العربية بالعين تثقيفا لكل من الأُمِّيِّ و«اللاأُمِّيِّ»، من خلال صَدْحِ أغنياتها بأشعار الشكل الفُصْحَوِيِّ من هذه اللغة الجميلة، وهو /أي الكاتب الصحافي /الثقافي/ المعني/ فيما يبدو متغاضٍ تغاضيا أجلَّ عن غياب قدرتها على النطق السليم بالنَّحْو المُشْبَع للجيم حرفا، بالمثال لا بالحَصْر.. هكذا كان المُرَوَّج فاشيا وأكثرَ منه حتى في صفحاتِ وسائل الإعلام القديمة في ذلك الزمان، وهكذا صار ترويج المُرَوَّج حاشيا في صفحاتِ النظيراتِ الحديثةِ في هذا الزمان، وإلى حدِّ الحَشْوِ التعبيري الإغراقي بأن «أم كلثوم [قد] ارتقت بالموسيقى العربية إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقةٍ، وتعتبرُ اليومَ الممثِّلَ الشرعيَّ الأوَّلَ للموسيقى العربية التي نستطيعُ أن نفاخرَ بها بين الأمم»، على حدِّ تعبير الكاتب الصحافي /الثقافي/ المعني..

 

على الأقل، في رأي المفكر والناقد الأدبي الكبير إدوارد سعيد، إن لم ننظرْ في أيٍّ من آراء الكثيرين ممَّن يؤيِّدونه /وأنا منهم، ولا ريب/، أم كثوم بوصفها «مغنِّيةً»، في الحيِّز الأوَّل، ليست من كلِّ ما قيلَ عنها، قبلَ قليلٍ، في شيءٍ.. وفيما يخصُّ حالَ الموسيقى العربية المتكلَّمِ عنها كذلك، كانت أم كلثوم «تغنِّي»، حينما «تغنِّي» بكلِّ تأوِّهاتها الجسدانية والشهوانية التي تزيد عن حدِّها بالنسبة للأذن الخاصَّة وحتى بالنسبة للأذن العامَّة، كانت «تغنِّي» كالمرأة الموجوعة أيَّما وجع، وهي تئنُّ بأعلى أنين آلامها وتباريحها، وكأنها كانت تعاني من مغصٍ شديدٍ والتهابٍ معويٍّ حادٍّ إلى أبعد الحدود.. في الأوقاتِ الأشدِّ إيجاعا حتى، أوقاتِ الحروب بين العرب والعبريِّين بوجه العموم، كان الجنود العرب /والعربان/ منهمكين بالاستماع إلى «أغاني الحماس» بتأوِّهاتِ أم كلثوم تلك ليلَ نهارٍ، بينما الجنود العبريِّون من طرفهم، في المقابل، فكانوا منكبِّين على ترتيل ما كان يتيسَّر لهم من آياتِ التوراة، وبالأخصِّ ممَّا كانوا يتوخَّونه بالإنشاد من مزامير داوود.. تُرى هل كانت أم كلثوم، من جرَّاء تلك الخدمات الجليلة التي كانت تسديها عن وعيٍ أو عن لاوعيٍ لآل صهيون كافَّتهم، تُرى هل كانت بالصوت حقا في صفوف «الثُّوَّار الفلسطينيِّين» أم بذات الصوت حقيقا في صفوف «المقاتلين الإسرائيليِّين»، على النقيض؟؟.. كما نوَّهت إحدى المعلقات النبيهات وقتَها، لو بقيت المغنِّية المبدعة أسمهان على قيد الحياة أيَّامئذٍ، على الأقلِّ بالقدر الذي بقيت عليه أم كلثوم ذاتُها /وبصرف النظر عن أيٍّ من مخلَّفات تلك الإشاعة التي أُشيعت حول «مؤامرة» قتل الأولى بتدبيرٍ خفيٍّ من لدن الثانية بغية التخلُّص من «غريمتها» في تبوُّء عرش الغناء العربي الأنثوي/، لما تمَّ اعتبارُ «المغنِّية» أم كلثوم في هذه الأيام «الممثِّلَ الشرعيَّ الأوَّلَ للموسيقى العربية»، ولما استطاع الكاتب الصحافي /الثقافي/ المعني بالتالي «أن يُفاخرَ بها بين الأمم»، ولا شكَّ في ذلك بتًّا!!..

 

وعلى فكرة، في الأخير هنا، فإن ترويج المُرَوَّج باللَّغْو المبتَنَى بهكذا أسلوب وضيع ليس مقتصرا على معشر الصحافيين والإعلاميين وحدهم، بل هو جدُّ فاشٍ كذلك بين معشر الدَّجَّالين من «الطبابيِّين» /أو، بالأحرى، الدَّجَّالين الذين يدَّعون بأنهم «طبابيِّون»/.. فمثلا لا حصرا، في هذا السياق، يظهر الآنَ على السطح لاجئ خلاسي تنطُّ إرسالاته «الفيسبوكية» المكتظة بالعبارات المسروقة من هنا أو هناك فجأة من آنٍ لآنٍ، لاجئٌ خلاسيٌّ يكتب عن نفسه بكلِّ ثقةِ نفسٍ بأنه «طبيب نفسي»، وجلُّ ما يخطل به من خطل عن «نفسية» المرأة وعن «نفسية» الرجل وعن الكذب عند كلٍّ منهما وعن كيفية «إيقاع» أحدهما بحبال الآخر، وما شابه، بتعميمات جارفة ما أنزل الله بها من سلطان، لا يعدو أن يكون خطلا عنصريًّا ذكوريًّا متخلِّفا بكل ما تحتويه هذه الكلمات من معنى، وحتى قبل أن ينأى كلَّ النأي عن أيِّ شيءٍ آخَرَ له مساسٌ بـ«الطب النفسي».. والأنكى من ذلك، فوق كلِّ ذلك، أنه كمثال نموذجي من أمثلة ما يُعرف بـ«الشخصية الشرجية»، أو بـ«الشخصية الإستية»، في علم النفس، يكتب عن نفسه متباهيا متبجِّحا بأنه «المدير الطبي للهيئة العامة لمستشفى ابن سينا سابقا»، مروِّجا على صفحته بين إرسالٍ وآخَرَ لما رُوِّج من قبلُ عن كلِّ أولئك الوصوليِّين والانتهازيِّين من أسياده حينما كان كالعبد الذليل ينفِّذ بالحذافير الأوامرَ التي كانت تأتيه منهم بالشخوص، بعد أن كانوا كالعبيد الأذلَّاءِ كذلك قد نفَّذوا بالحذافير الأوامرَ التي كانت تأتيهم من أسيادهم، بدورهم هم الآخرون!!..

 

الآراء الواردة تعبر عن رأي الكاتبة

Copyright©2017 for WMC website

 Designed By Site Trip